2026/08/28

نحو المسلم: ربط المصطلحات والقواعد النحوية بحياة المسلم

 تعريف النحو:

النحو في اللغة يعني القصد والجهة والمقدار، أو هو القصد إلى صواب الكلام. 

وأما في اصطلاح أهل العربية فهو علم قواعد يُعرف بها أحوال أواخر الكلمات العربية من الإعراب والبناء، وكيفية تركيب الجمل بشكل صحيح لحماية اللسان من الخطأ. 


ولكل شيء في هذه الدنيا نحو ينحو نحوه، فيحفظ به مساره، ومن خالف النحو فقد لحن وأخطأ، قولا أو فعلا، ولحن اللسان أهون من غيره إذا لم يكن في كتاب الله، ولذلك قال الشاعر:

َلحنُ اللسانِ مباحٌ    واللحنُ بالقلب ذَنبُ

وأقبح اللحنِ عندي   كبرٌ   وتيهٌ   وعُجبُ


وقال آخر:

لسان فصيح معرِب في كلامه

فياليته من حسرة العرضِ يسلَم

وما ينفع الإعراب إن لم يكن تقى

وما ضر ذا التقوى لسان معجم.


ونحو المسلم التزام بما فرضه مولاه، وما سنه نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا تجاوز ذلك فقد لحن، ولا بد له من عودة إلى نحوه؛ ليصل به إلى ما تستقيم به حياته بما يرضي خالقه، "فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ". سورة هود، الآية 112، "...فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ...".  سورة الشورى، الآية 15.

 "قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٌ لِّلۡمُشۡرِكِينَ" سورة فصلت، الآية 6.


 والمسلم البارع في النحو هو المسلم الذي عرف قواعد ما أمر الله فالتزمها، وعرف ما يغضب ربه فاجتنبه، وإذا دعته نفسه، أو زلت به قدمه فلحن في طاعة ربه سارع إلى التوبة والاستغفار، وأناب إلى ربه وعاد إليه. "وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ" سورة آل عمران، الآية 135.

 والعاقل في هذه الدنيا له نحوه الذي لا يجاوزه، فيحفظ لنفسه هيبتها، ومكانتها بين العقلاء، والسفيه ليس له نحو يضبطه، فتراه يتخبط بين الخلائق لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، ليس له هم إلا ما يرضي هواه، فيضل ويُضل غيره، : "وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍ". سورة الأنعام (119)

"أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ" سورة الجاثية (23).

 "وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا" سورة المائدة (77)

 "وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا" سورة الكهف (28).


والأمة كالفرد لها نحوها الذي أمرها لله به في العديد من المجالات: نحو العقيدة، ونحو الشريعة، في السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، ونحو السلوك وسمو الروح، فإذا حادت عن شيء من هذا النحو لحنت، ولكن هذا اللحن ثمنه باهض جدا، وليس هو كلحن اللسان، فلحن اللسان يجبره التصحيح والتقويم، أما هذا اللحن فإن الأمة بأجمعها تدفع ثمنه، فإذا لحنت في العقيدة وقعت في الشرك والبدع والضلالات والخزعبلات، والنتيجة عقوبات ربانية: إحباط الأعمال، وذلة بين الأمم، واستبدال "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ...سورة المائدة، الآية 54. 


"وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ". سورة الأنعام، الآية 133.

وهو أمر هين عليه سبحانه وتعالى كما أخبر على لسان هود عليه السلام: "...وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ" سورة هود، الآية 57.


وإذا لحنت الأمة في الشريعة وقعت في الحرام، ونالها غضب من الله، وتمزق في نسيجها، وفرقة بين أبنائها، وتنازع بين حكامها، وفقر مدقع يدق عظامها، وفساد كبير يخيم على أرجائها، وقسوة في القلوب، تصير الناس وحوشا يقتل بعضهم بعضا، ويستغل بعضهم بعضا...

"وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ" سورة النساء (الآية 14).

وفي سورة البقرة (الآية 209): تحذير من الزلل بعد مجيء البينات: "فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".

فكم من أمة عاقبها الله عقوبة عامة بظلمها وانحرافها:

قال سبحانه بعد ذكر الأمم المارقة:

"فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَا". العنكبوت ٤٠.

"فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ". الأنعام ٤٤.

"وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ". هود ١٠٢.

فيا أيها المسلم الحصيف اعرف نحوك، الذي ترضي به ربك، ولا تجاوزه فيقل قدرك، ويصير إلى الخسران أمرك.





2026/08/06

الرحلة الحتمية صوب النهاية الابدية

 بين البدايات والنهايات سيل من الأمنيات، وأمواج من المتاهات، يرقى بها ذاك الكائن الضعيف حينا، ويهوي بها أحايين أخرى مخدوعا بلذة عابرة في قمة الموجة متناسيا أن بعد تلك القمة السامقة قاعا سحيقا، أو تائها في منحنيات الدهاليز المظلمة التي ساقته إليها أقدامه الغاشمة. وبين كل خطوة وأخرى تاخذه عزة آثمة بأن المخرج أقرب من شرك نعاله، فيستمر في غيه متوغلا نحو المجهول المتباعد، مزهوا بقوة الشباب، مخدوعا بلمعة العقل الغرور، منغمسا في تيه الظلمات، منساقا وراء أحلام اليقظة، آملا فيما عنده أن يوصله إلى بصيص النور الذي يتراءى له من بعيد، وهو بين هذا وذاك لا يعدم ناصحا أو يدا تمد إليه كل حين، وصوتا حانيا يهتف به: رويدا يا صاحبي! رويدا يا أخي! إنما تجري وراء سراب خادع، وتودي بنفسك في مهاوي الردى! 

ولكنه لا يرعوي عن غيه المطبق، ولا يتوقف بعد كل المزالق التي كادت تهوي به، ثم تأتي اللحظة الحاسمة التي تؤذن بالأفول فينقلب الصعود الى القمة انحدارا نحو الهاوية، وتنتكس الموجة العاتية، فتتحول بلمح البصر الى القاع المهلك، حيث تصبح أطواق النجاة بلا جدوى وحينها لا تنفع الصيحات، ولا تغني الاستغاثات وسرعان ما ينجلي للناظر القريب والبعيد فداحة الخطب ومرارة الندم، وتبرز أمام عينيه في لحظة قصيرة جدا كل الأمنيات التي لم تتحقق بعد، وكل الأخطاء التي لم تتدارك وليس ثَمَّ غيرُ الندم ولات حين مندمِ.


 هذه هي القصة باختصار قصة ذلك الانسان من بدايته إلى نهايته ذلك الجبار الذي تعالى فوق رؤوس العباد وتجبر على خلق الله بغير وجه حق، فملأ الأرض ظلما وجورا!

ذلك الفاسد الذي ظن أن ماله أخلده، وأنه لا غالب له متذرعا بقوة المال والجاه والسلطة، وغره الأمل حتى جاءه أمر الله فانزوى في زوايا التاريخ المظلمة.

تلك الدول التي تدعي العظمة والرقي والتطور حالها كحال ابن ادم كلاهما ينطبق عليه نفس القانون الإلهي ويخضع لنفس الناموس، فالأمم والدول كالإنسان تبدأ ضعيفة ثم تشتد وتقوى إذا أخذت بالأسباب،

 فتغتر بقوتها وتطغى وتتجبر لانحرافها عن جادة الحق، ثم تهرم أو تتداعى بشدة؛ لمخالفتها سنن الله وقوانينه التي تضبط حياة خلقه وعباده.

 فيا أيها الانسان! 

قف مع نفسك كائنا من تكون، وانظر إلى موضع أقدامك، وأبصر أين تسير؟ 

وماذا تفعل في هذا العالم الفاني؟

 لو ملكت ثروات الأرض أجمعها، فلن تخلد فيها ولن تتربع على عرش الغنى كما تربع قارون!

 ثم تأمل ما هي النهاية؟

 ويا أيها الملك الجبار والحاكم الظالم!

 تدبر في حالك مع رعيتك فمهما بلغت من قوة! ومهما ملكت من سلطان! فلن تتجاوز سنة الله فيمن سبقك: فرعون، وهامان، ومن أشبههما فلا تطغَ! ولا تتجبر على خلق الله! وأنت تعيش في ملكه وتنعم برزقه وعافيته ولولاه لما سرت على قدم ولا رمقت ببصر وحسبك ما تراه من عبر فيمن سبقك فلو دامت لغيرك ما وصلت إليك!

إن حقيقة ما يجري في هذا العالم من ظلم وجور وتسلط وطغيان عائد إلى أمر واحد لا ثاني له في تاريخ البشرية، هو الانحراف عن سبيل الله وقانونه في الحياة الإنسانية.

سبيل الله بكل أجزائه: عقيدة وشريعة ومناهج حياة.

وليس هذا لانحراف خاصا بشخص دون آخر، ولا دولة دون أخرى، ولا أمة دون غيرها.

فالأمم التي سبقت الأمة المحمدية كلها جاءها الحق من الله على لسان أنبيائها، فانقاد له من شاء الله، وساد به الناس مؤيدا بنصر الله وتوفيقه مدة خضوع تلك الأمم نفسها لأمر الله واسترشادها بالوحي الذي بعثه، والكتب التي أنزلها.

ولكن دوام الحال من المحال، فما لبثت هذه الأمم أن انحرفت شيئا فشيئا عن سبيل ربها، فسارت في نفس المسار الذي قدمناه، وكانت النتيجة واحدة في حق الجميع.

وجرت العادة أن يُبعَثَ أنبياء ورسل آخرون ليعيدوا الناس إلى جادة الحق، فتستبدل الأمم والأشخاص بمن هم خير منهم، إلى أن ختم الله الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.

ولكن هل أمتنا مستثناة من هذا القانون الإلهي في الاستبدال؟

ليست هذه الأمة مستثناة استثناء مطلقا، فما أصاب الأمم الأخرى يصيبها كلما انحرفت عن سبيل لله ومنهجه في الاستخلاف في الأرض ولكنها لا تستبدل بها أمة أخرى لأنها خاتمة الأمم وخيرها وأكرمها على الله، وهي الأمة القائمة على قاعدة صحيحة سليمة هي المرجع الدائم لهذه الأمة وللبشرية جمعاء، فمتى ما انحرفت هذه الأمة عوقبت وتسلط عليها عدوها ووقعت فيها المصائب والكوارث والملمات الشداد، لكنها لا تمحى ولا تُزال من وجه الأرض، ولا يخلو زمن من جماعة مؤمنة تقوم بما أمرها به الله من واجبات الاستخلاف في الأرض.

فحين تخلفت الأمة في كثير من بقاعها، وانحرفت عن عقيدة التوحيد التي كانت تهيمن على أرجائها،  إلى الشرك والابتداع في الدين بما لم يشرع الله في العبادات والعادات، برزت جماعة عظيمة تتمسك بعقيدة الوحي، وترفع شعار التوحيد والسنة وتتمسك بمنهج السلف في فهم هذا الدين وتطبيقه كما شرع الله، فلم تخل الأرض من عقيدة الإسلام يوما واحدا على الرغم من كل الموجات العاتية التي سعت إلى تدمير هذه العقيدة وتشويهها وتحريفها!

وحين تخلفت الأمة عن ركب القوة والجهاد في سبيل الله في كثير من بقاعها واكتفت بجيوش مهلهلة لا يتجاوز دورها حماية الكرسي الذي يجلس عليها حاكمها، والحفاظ على حدود أعدائها برزت ثلة من المؤمنين اجتمعوا على التوحيد والعقيدة التي جاء بها الوحي من الله، فنازلت أعداء الله في أرجاء متعددة من الأرض وأذاقتهم الويل والثبور، ولا تزال منهم ثلة مرابطة في أرض الإسراء والمعراج.

وحين تخلفت الأمة عن إقامة دولة مسلمة قائمة على شريعة الله، تحكم بكتاب الله وسنة نبيه، وتقييم شعائره، وتطبق أحكامه في السياسة والاقتصاد والشرائع والقوانين، برزت دولة قارعت أعداء الله المحتلين في أرضها عقودا طويلة حتى أخرجتهم صاغرين، فأقامت دولة مسلمة ترفع راية الإسلام بفخر واعتزاز، وتطبق أحكام الشريعة دون اكتراث بانتقادات الأمم المتحدة والدول التي تدعي المساواة بين البشر جميعا إلا المسلمين طبعا..

وما هذا كله إلا لأن هذا الدين هو الحق المبين الذي يجب أن يصل أصقاع الأرض، وإليه وحده يجب أن تخضع البشرية بأكملها بعد أن ثبت إفلاس الغرب من كل القيم الإنسانية التي تؤهل لقيادة البشرية، وثبت فشله في قيادة البشرية، فكان لابد من مخلص ينقذ هذه البشرية من هوتها السحيقة التي توشك أن تسقط فيها بعد أن اقتربت كثيرا من حافتها، فكانت سنة الله أن يبقى هذا الدين ظاهرا رافعا راية العدل والتوحيد.

   والإسلام هو المخلص الوحيد وهو المنهج الوحيد الكفء لإعادة إنشاء الحياة البشرية على قاعدة جديدة؛ لأنه   منهج أصيل ومستقل الجذور يجمع بين التصور الاعتقادي والواقع العملي.


وهو وحده القادر على تصحيح خطأ "الفصام النكد" بعد أن ضلت البشرية طريقها يوم أن وقع "الفصام النكد" بين الدين والحياة في أوروبا، وأن العلاج لا يكون بالترقيع الجزئي بل بالعودة إلى منهج الله الذي يضع التصميم الأساسي للحياة بناءً على علم الخالق بالإنسان، لا على علم البشر القاصر.

وذلك؛ لأن علاقة الإسلام بالعلم والحضارة علاقة متينة فالإسلام ليس عدواً للعلم أو الحضارة، بل هو إطار ومحور لهما. فالإسلام لا يحطم المصانع، بل يغير النظرة إليها بحيث يصبح الروح الإنساني المؤمن هو المسيطر على الآلة، لا عبداً لها.

والإسلام وحده من يحرر الإنسان تحريرا منضبطا بقانون السماء ويعطيه حق الاختيار،  فالمنهج الإسلامي يهدف إلى استنقاذ الروح البشرية من المهانة، وإعادة قيمة الإنسان فوق قيمة "الأشياء"، مما يمنحه القدرة على الاختيار والتمييز بين ما ينفع كينونته وما يضرها في هذه الحضارة.

كما أن هذا الدين قائم على التوافق مع الفطرة؛ لأن الفطرة الإنسانية متناسقة مع فطرة الكون، وأن منهج الإسلام هو الذي يكفل هذا التناسق، فهو المخلص الذي يطلبه الغرب في صرخاته ولكنه يأبى الاعتراف به حتى الآن. ولابد للمسلمين من صحوة كبرى يستفيقون بها من غفلتهم فتنهض بهم من جديد.

2025/01/26

فرقان أهل الحق عن أهل الباطل

يحق لهذه الأمة أن تفخر برجال فلسطين مقاتلين ومدنيين، ويحق لتلك البطون الطاهرة أن تفخر بما أنجبت.
إنهم (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا).
لقد أثبتوا لنا نحن المسلمين قبل غيرنا أن من الممكن أن تعيش بالإسلام وللإسلام عقيدة وشريعة تعامل بها أعداء الإسلام في قمة همجيتهم ووحشيتهم، وأن ترتقي بدينك وعقيدتك فوق جهل الأعداء، وظلم الأشقاء، وأن تظهر أحسن ما أمرك الله به في وجه أسوأ ما قابلك به عدوك، وهذه هي أخلاق الإسلام، وعدالته، التي حاول أعداء هذا الدين تشويهها  وتمزيقها لعقود مضت، ولكن شاء الله أن يجعل كيدهم في نحرهم، ونحرهم في كيدهم، ففي قمة الظلم والقتل والهمجية التي صبت على أهلنا هناك بسلاح أعدائهم، وسلاح حلفائهم، وصمت أشقائهم، أظهر المقاتلون حسن معاملتهم للأسرى بين أيديهم وأظهرت الصورة بكل وضوح أنهم لا يبدلون أخلاقهم ولا ينتقمون لأنفسهم، بل ينصاعون لما أمرهم به دينهم وعقيدتهم، في وقت كانوا يرزحون هم أنفسهم تحت أشد أنواع العذاب، قتلا وتجويعا وتهجيرا وتخويفا، وفرق كبير بين أخلاق صاحب العقيدة الحقة والأرض المستحقة، وبين المحتل الذي لا ينتمي إليها، فهذا المحتل لا يشغله شيء سوى حرق الأخضر واليابس، وتدمير الحجر والشجر، وقتل الصغير والكبير، لأنه يعلم علم اليقين أنه في يوم من الأيام سينقلع من هذه الأرض كأشجار الزيتون التي يقلعها كل يوم من أرض أهلها، وأنه سيعود خائبا ذليلا إلى البلاد التي جاء منها، وهو بهذا الغباء المطلق يخلق له اعداء كل يوم، بل يطبع صورته الهمجية أجيالا بعد أجيال، في أذهان البشرية بريشة من نار، لا يلبث أن يكتوي بها عاجلا أو آجلا،  وهو بفعله هذا لا يزيد صاحب الحق إلا يقينا وتمسكا بقضيته العادلة، بل يزيده تأييدا، وثباتا وشموخا، ويزيد صف الحق تماسكا وقوة.
وصاحب الحق لا ينظر إلى الأمور بعين الانتقام ورد الفعل غير المنضبط، بل يرى بنور الله وعلى هدى شريعته، ونور وحيه، وهدي نبيه ﷺ والمتأمل لهذا يجد أن العدو هو الخاسر الوحيد منه، فصفوفه الداخلية التي قضى عقودا من الزمن يبنيها ويرصها، باتت اليوم ضعيفة وهشة، يمكن أن تنهار في أي وقت، والصورة السيئة التي حاول رسمها لأهل الأرض، بان زيفها على مرأى ومسمع من العالم كله، حتى جنوده الأسرى قد فتنوا بحقيقة ما رأوه على الجانب الآخر من حدودهم المصطنعة، وعادوا بقصص سيروونها لأبنائهم وأحفادهم ومن حولهم لسنوات قادمة، مما يزيد روايتهم الرسمية ضعفا وتكذيبا، وسيجد العدو نفسه في مواجهة شعبه فكريا وإعلاميا كما هو اليوم مع كل صورة ينشرها المقاتلون في أرض الرباط، يخرج شعبه بالآلاف لينغص عليه حياته، ويكدر عليه صفوه.
فيا أهل الحق اثبتوا!
ويا أهل فلسطين اصمدوا!
فوالله ما على وجه الأرض اليوم أحد ينافح عن دين الله بكل شيء مثلكم!
ولا على وجه الأرض اليوم أحد يجابه أعتى قوى الكفر والظلم والطغيان مثلكم!
فلله دركم!
ولله أمركم!
ولله صبركم ونضالكم!

2025/01/20

أسافل البشرية

أكابر مجرمي العالم، وأبرز القتلة على وجه الأرض، وأكثر البشرية فسادا، وأسوؤهم أخلاقا، يجتمعون تحت سقف واحد الآن لتنصيب شيطانهم الأكبر، الذي سيستمر في عذاب العالم، والتسبب في إفقار الملايين من الناس، وسرقة أموالهم وثرواتهم، من أجل أن تتمتع به هذه الشرذمة العفنة باسم القانون الدولي الذي يدوسون عليه بأقدامهم حين يتعارض مع مصالحهم، وباسم حقوق الإنسان التي لا يعطونها لأحد سواهم.



إن هؤلاء المجرمين الذي يلبسون أحسن الثياب، ويضعون أطيب العطور؛ ليداروا عفنهم وقذارتهم، هم سبب كل المآسي على وجه الأرض، ومنبع الشر الذي عجز إبليس أن يأتي بمثله، ولن ترتاح البشرية إلا بزوالهم، ولن يجد العالم الهدوء والسلام إلا بالتخلص منهم، وهذا الحلم لن يتحقق إلا بعودة الإسلام إلى قمة الهرم في قيادة البشرية، فقد ثبت للعالم جميعا أن منهج الإسلام هو المنهج الحق الذي ينال فيه كل إنسان حقه ومستحقه، سواء كان في صفه، أو فيما يقابله، لقد ظهر لنا جليا حقيقة هذين الفريقين في أحداث غزة، فريق الكف.ر، وفريق الإيمان، الفريق الذي تتجسد فيه معاني الإنسانية والحق والخير، والفريق الذي تتجسد فيه كل معاني الهمجية والوحشية والباطل والشر، والنتيجة نصر أهل الحق على أهل الباطل، وإن دمر الباطل كل شيء يرى فيه الحياة، فيخيل إليه أن الحق قد سكت، وأن أهله قد أبيدوا لكنه سرعان ما يفاجأ حين ينقشع الغبار، ويبزغ الفجر الصادق بأن الحق قد نما من بين الركام، وأنه خرج متبخترا مستعليا فوق صوت القنابل والرصاص، ثم يجد الباطل نفسه مرغما على سماع صوت الحق والرضوخ لشروطه، مع أن أنصار الحق قلة قليلة في هذا الزمان وفي كل زمان، إلا أنه شامخ لا يرضخ إلا لله الذي جعل له العزة والعلو شاء من شاء وأبى من أبى! 

2024/12/06

رجال صدقوا

لا يزال الغزيون يناجزون أعداء الله نيابة عن أمة كاملة، تتناثر أشلاؤهم في سبيل الله مقبلين غير مدبرين لكي لا يسجل التاريخ أن هذه الأمة خلت من الرجال، وعطلت شعيرة من شعائر الله في مواجهة أرذل البشر، وأخس ما عرفت الإنسانية، وقد يجعل الله في الشام نصرا جديدا تمتد بشائره في بلاد المسلمين جميعا فتنهض الأمة من جديد وتستعيد قوتها ودورها في تبليغ رسالتها لأرجاء الأرض، لتنتشل البشرية بأجمعها من حضيض الظلمات الذي ألقتها فيه أمريكا وأوربا، فيدخل الناس من جديد في دين الله أفواجا، وينبذون كل الآلهة التي تعبد من دون الله، ينبذون أصنام الغرب، وحضارتهم الممسوخة، التي شوهت وجه الإنسانية، وينبذون أصنام الديمقراطية والليبرالية التي مزقت كرامة الإنسان وجعلته عبدا للمال والجنس والشهوات المحرمة، ونكست فطرته فأغرقته في بحور من الإنحرافات العقدية والأخلاقية والخلقية، وسلخته من جلد البشرية وألبسته جلدا مهلهلا من الحيوانية والبهائمية.
ينبذون أصنام الهوى والمال والشهوة وكل ما استحوذ عليهم من دون الله بغير حق.
هذا الانحدار الكبير في مسار الإنسانية لا يستقيم على سوقه، ولا يعود لفطرته إلا بالإسلام: عقيدة وشريعة ومنهاج حياة، ولا يقوم بالإسلام إلا رجال باعوا أنفسهم لله، ليشتروا جنات الخلود، والله وحده المسؤول أن يهيئ لهذه الأمة نخبة من هؤلاء، وأن يثبت من التزم بهذا المسار منهم.

2024/10/04

التعطش للدماء!

ما يقوم به الكيان الصـ8ـيـ9ني من وحشية مفرطة في القتل، والتدمير، وسفك الدماء، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية، إنما هو الوجه الحقيقي له ولمن يدعمه من دول الغرب وعلى رأسهم بريطانيا وفرنسا وألمانيا وأمريكا، إنهم شعوب متعطشة للدماء، يستمتعون بالقتل والتدمير، ولا يشبعون من هذه الممارسات التي تعبر عن انحرافهم النفسي والأخلاقي، ووافق ذلك حقدهم وكرههم للإسلام وأهله، ثم يتحدثون بمنتهى النفاق عن حقوق الإنسان، التي لا يطبقون منها إلا ما وافق أهواءهم ومصالحهم، والأدهى من ذلك والأمر، نعيق المنافقين والزنادقة العرب الذي يسبحون بحمد الغرب، ويطبلون لمبادئه الزائفة، ويتغنون بشعاراته الإنسانية، ويغمضون أعينهم عن جرائمه التي تندى لها الجباه، وتخجل منها الإنسانية، بل يرفعون عقيرتهم بلا حياء ليتهموا الإسلام بأنه دين الإرهاب والقتل! فهل رأى هؤلاء يوما أو سمعوا أن الإسلام وأبناءه على امتداد حروبهم قتلوا مثلما قتل هؤلاء المسوخ من أبناء المغضوب عليهم والضالين؟ الذين قتلوا أنبياء الله واستباحوا دماءهم قبل غيرهم من البشر، فهل يجرؤ هؤلاء الزنادقة على انتقاد أسيادهم؟
بل هل يجرؤون يوما على انتقاد التوراة المحرفة التي يستشهد بها حاخامات هؤلاء المغضوب عليهم في قتل الأطفال والنساء الحوامل، كما ينتقدون القرآن ؟
ألا شاهت الوجوه!

2023/12/19

إعانة الكفار على المسلمين


الملخص:
من نواقض الإسلام التي يحكم بردة صاحبها مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمََ الظَّالِمِينَ) [المائدة:51].
فمن أعان صـ.،ـهيو نـ.،ـيا يـ.،ـهو ديـ.،ـا أو نصـ.،ـرانـ.،ـيا على مسلم بالقوة أو بالمال أو بالغذاء لينصرهم به على المسلم فقد ارتد عن الإسلام .
التفصيل: 
(ومن ظاهر المشركين وناصرهم على المسلمين فقد تعرض لتهديد الله ووعيده، وخان الله ورسوله والمؤمنين، واستحق سخط الله وعذابه قال تعالى: [المـَـائدة: 80-81]{تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ *وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ *}.

وجعل الله ذلك من خصال المنافقين فقال تعالى: [النّـِسـَـاء: 138-139]{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا *الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَولِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا *}

وجعل حكم من يتولى المشركين كحكمهم فقال: [المـَـائدة: 51]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}

وجعل موالاتهم سراً أو علانية ووعدهم بالمناصرة صدقاً أو كذباً في النهي سواء، فقال تعالى: [الحـَـشـر: 11]{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *}

وقطع سائر الأعذار لتوليهم كحظوظ الدنيا أو الخوف منهم أو مداراتهم أو مداهنتهم أو خشية الدوائر أو عصمة النفس والمال فقال: [المـَـائدة: 52]{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} وقال : [النّحـل: 107]{ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآْخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ *}.

وعمَّم النهي في موالاة الكافرين عامة ذوي أرحام أو أجانب، كتابيين أو مشركين أو مرتدين وغيرهم من ملل الكفر فقال: [المـَـائدة: 57]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ *}.

وقال: [المجـَـادلة: 22]{لاَ تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}

وتوعد من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين إن هو لم يرتدع عن موالاته وينجر عن مخالته أن يلحقه بأهل ولايته من المنافقين فيستحق ما استحقوه بأوضح حجه وأقوى برهان فقال: [النّـِسـَـاء: 144]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينِ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا *}

وتبرأ ممن يتولاهم فقال: [آل عِـمرَان: 28]{لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ}

وقطع بردتهم فقال: [محـَـمَّد: 25-26]{إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ *ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ *} إلى غير ذلك من الآيات.

والنصوص في الكتاب والسنة في هذا الباب أكثر من أن تحصر، وقد حرص الشارع على بيان هذا الأصل العظيم من الدين أشد بيان، فتواترت به النصوص من الكتاب والسنة، وتظافرت فيه الأدلة، وذلك لأنه من أعظم أصول الملة، فبموالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين تهدم الشريعة ويثلم الدين.

قال الشيخ حمد بن عتيق في «سبيل النجاة»: (ص31) :

(فأما معاداة الكفار والمشركين فاعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى أنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده) انتهى.

وقد وقع الجهل في هذا الباب، والتسامح فيه، فأصبح اتِّباع الأهواء وملذات الدنيا وحب الرئاسة عذراً في موالاة الكافرين ومعاداة المؤمنين، فأصبح هذا الباب فتنة لكثير من الأولين وبلاء للآخرين.

فتحرم موالاة الكافرين على المؤمنين بالمال والنفس والرأي، وإن لم يقع في القلب حبهم، وتفضيل دينهم على دين المؤمنين، وقد حذر الله من ذلك أشد تحذير، كما تقدم في الآيات قال تعالى: [المـَـائدة: 51]{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} وهذا يجري على ظاهره أنه في حكمهم.

قال ابن القيم في «أحكام أهل الذمة»: (1/67) :

(قد حكم الله ولا أحسن من حكمه أن من تولى اليهود والنصارى فهو منهم [المـَـائدة: 51]{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} فإذا كان أولياؤهم منهم بنص القرآن كان لهم حكمهم) انتهى.

وقال القرطبي في «تفسيره»: (6/217):

{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ ِ} أي يعضدهم على المسلمين {فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} بين تعالى أن حكمه كحكمهم، وهو يمنع إثبات الميراث للمسلم من المرتد، وكان الذي تولاهم ابن أُبَي، ثم هذا الحكم باق إلى يوم القيامة في قطع الموالاة) انتهى.

وقال ابن حزم في «المحلى»: (11/ 35) :

(وصح أن قول الله تعالى [المـَـائدة: 51]{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حق لا يختلف فيه اثنان من المسلمين) انتهى.

قال الشيخ سليمان بن عبد الله في «الدلائل في حكم موالاة أهل الإشراك»: (52) :

(قال تعالى : [الحـَـشـر: 11]{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلاَ نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *} فإذا كان وَعْد المشركين في السر ـ بالدخول معهم ونصرتهم والخروج معهم إن جَلَوا- نفاقاً وكفراً وإن كان كذباً، فكيف بمن أظهر لهم ذلك صادقاً، وقدم عليهم، ودخل في طاعتهم، ودعا إليها، ونصرهم وانقاد لهم، وصار من جملتهم، وأعانهم بالمال والرأي.

هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفاً من الدوائر كما قال تعالى: [المـَـائدة: 52]{فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ}) انتهى.

ومن تبرأ من أعداءِ الله وأعداءِ وليه ودينه، عليه موالاة أولياء الله، قال تعالى: [المـَـائدة: 55]{إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا}.

ولا يُعذر مسلم بتوليه الكافرين، ومناصرته لهم على المؤمنين، فمصلحة التوحيد أعظم مصلحة ترجى للأمة، ومفسدة الشرك أعظم مفسدة تُدرأ عنها، فلا يحل مظاهرة الكافرين على المؤمنين لأجل طمع في الدنيا يرجى، من عصمة مال أو رياسة وغيرها، بل ولا عصمة الدم، حيث عُلم أن مظاهرة الكافرين كفر وردة عن الدين، وقد أجمع أهل العلم على أن من ظاهر الكفار من أهل الكتاب وغيرهم من الملل الكفرية على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم قال الله جل وعلا: [المـَـائدة: 51]{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ}

قال الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ رحمه الله كما في مقدمة كتاب «الدلائل»:

(اعلم رحمك الله أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم خوفاً منهم، ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم ويحب الإسلام والمسلمين، هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر من أشد الناس عداوة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يستثنى من ذلك إلا المكره وهو: الذي يستولي عليه المشركون فيقولون له: اكفر أو افعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان.

وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلاً أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفاً وطمعاً في الدنيا) انتهى.

* ولأجل هذا شرع الله الهجرة من بلد الكفر إلى بلد الإيمان، لما تتضمنه الإقامة بين ظهرانيهم في الغالب من المودة لهم وطلب رضاهم بمدح ما هم عليه، وعيب المسلمين.

قال ابن حزم الأندلسي في «المحلى»: (11/199، 200) :

(وقد علمنا أن من خرج عن دار الإسلام إلى دار الحرب فقد أبق عن الله تعالى، وعن إمام المسلمين وجماعتهم ويبين هذا حديثه صلى الله عليه وسلم أنه بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين، وهو عليه السلام لا يبرأ إلا من كافر، قال الله تعالى: [التّوبـَـة: 71]{وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}.

قال أبو محمد رحمه الله:

فصح بهذا أن من لحق بدار الكفر والحرب مختاراً محارباً لمن يليه من المسلمين فهو بهذا الفعل مرتد له أحكام المرتد كلها من وجوب القتل عليه متى قدر عليه ومن إباحة ماله وانفساخ نكاحه وغير ذلك لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبرأ من مسلم.

وأما من فر إلى أرض الحرب لظلم خافه ولم يحارب المسلمين ولا أعانهم عليهم، ولم يجد في المسلمين من يجيره فهذا لا شيء عليه لأنه مضطر مكره) انتهى كلام ابن حزم.

* والموالاة والمعاداة أوثق عرى الإيمان، ولأجل حماية هذا الأصل العظيم حرَّم الله التشبه بالكفار في الهدي الظاهر حتى وإن لم يصاحبه حب في الباطن، فقد روى أحمد وأبو داود من حديث حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن تشبه بقوم فهو منهم».

ويخرج من هذا من كان من المسلمين في دار كفر، وخشي الضرر بالمخالفة لهم في الزي الظاهر، فيجوز له موافقتهم في هديهم الظاهر، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بمخالفة المشركين حال ضعف المـــُعـِيْن له، وقلة الناصر، بل أمر بذلك بعد ظهور الإسلام وقوَّة أهله.

ومن أعظم موالاة أهل الكفر التي تناقض الإيمان إقامة المنظمات والملتقيات والمؤتمرات من أجل تقرير وحدة الأديان، وإزالة الفوارق العقدية، ومحو الخلاف فيما بينها، وهذا الأمر يتكئ على فكرة خبيثة عرفت قديماً عند ملاحدة المتصوفة كالتلمساني وابن سبعين وابن هود، وعرفت حديثاً عند دعاة العلمانية والليبرالية الذين يتفقون مع سابقيهم في الإلحاد، ونبذ الإسلام وتنحيته عن شئون الحياة.

مسألة في الاستعانة بالكفار في القتال:

وأما الاستعانة بالكفار في قتال كفار آخرين، فهي مما وقع في جوازها الخلاف بين أهل المعرفة، فمنهم من منع مطلقاً، ومنهم من أجاز بقيود وشروطٍ، كمسيسِ الحاجة إليهم، وأمن مكرهم وخيانتهم بالمؤمنين.

وأما الاستعانة بالكفار على قتال بغاة مسلمين، فقد منع منه أكثر العلماء وجماهيرهم، فإن كان قتال هؤلاء البغاة مما يقوِّي شوكة الكفار على المسلمين، ويظهرهم عليهم، ونفع أهل الكفر بهذا القتال أكثر من نفع أهل الإسلام، فهذا داخل في قوله جل وعلا : [المـَـائدة: 51]{وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} بلا ريب.

ومن الاستعانة بهم في القتال ما هو دون ذلك في الحكم فلا يصل إلى الكفر والردة، والخروج من الملة.

قال ابن حزم الأندلسي _ح في «المحلى»: (11/200، 201) :

(وأما من حملته الحمية من أهل الثغر من المسلمين فاستعان بالمشركين الحربيين وأطلق أيديهم على قتل من خالفه من المسلمين، أو على أخذ أموالهم أو سبيهم، فإن كانت يده هي الغالبة وكان الكفار له كأتباع فهو هالك في غاية الفسوق، ولا يكون بذلك كافراً، لأنه لم يأت شيئا أوجب به عليه كفراً قرآن أو إجماع.

وإن كان حكم الكفار جارياً عليه فهو بذلك كافر، على ما ذكرنا، فإن كانا متساويين لا يجري حكم أحدهما على الآخر فما نراه بذلك كافراً. والله أعلم) انتهى).

=============

📗 المصدر: الإعلام بتوضيح نواقض الإسلام للشيخ الطريفي.