نحو المسلم: ربط المصطلحات والقواعد النحوية بحياة المسلم
تعريف النحو:
النحو في اللغة يعني القصد والجهة والمقدار، أو هو القصد إلى صواب الكلام.
وأما في اصطلاح أهل العربية فهو علم قواعد يُعرف بها أحوال أواخر الكلمات العربية من الإعراب والبناء، وكيفية تركيب الجمل بشكل صحيح لحماية اللسان من الخطأ.
ولكل شيء في هذه الدنيا نحو ينحو نحوه، فيحفظ به مساره، ومن خالف النحو فقد لحن وأخطأ، قولا أو فعلا، ولحن اللسان أهون من غيره إذا لم يكن في كتاب الله، ولذلك قال الشاعر:
َلحنُ اللسانِ مباحٌ واللحنُ بالقلب ذَنبُوأقبح اللحنِ عندي كبرٌ وتيهٌ وعُجبُ
وقال آخر:
لسان فصيح معرِب في كلامه
فياليته من حسرة العرضِ يسلَم
وما ينفع الإعراب إن لم يكن تقى
وما ضر ذا التقوى لسان معجم.
ونحو المسلم التزام بما فرضه مولاه، وما سنه نبيه صلى الله عليه وسلم، فإذا تجاوز ذلك فقد لحن، ولا بد له من عودة إلى نحوه؛ ليصل به إلى ما تستقيم به حياته بما يرضي خالقه، "فَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطۡغَوۡاْۚ إِنَّهُۥ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ". سورة هود، الآية 112، "...فَلِذَٰلِكَ فَٱدۡعُۖ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَآ أُمِرۡتَۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ...". سورة الشورى، الآية 15.
"قُلۡ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثۡلُكُمۡ يُوحَىٰٓ إِلَيَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمۡ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَٱسۡتَقِيمُوٓاْ إِلَيۡهِ وَٱسۡتَغۡفِرُوهُۗ وَوَيۡلٌ لِّلۡمُشۡرِكِينَ" سورة فصلت، الآية 6.
والمسلم البارع في النحو هو المسلم الذي عرف قواعد ما أمر الله فالتزمها، وعرف ما يغضب ربه فاجتنبه، وإذا دعته نفسه، أو زلت به قدمه فلحن في طاعة ربه سارع إلى التوبة والاستغفار، وأناب إلى ربه وعاد إليه. "وَٱلَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُواْ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُواْ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ يُصِرُّواْ عَلَىٰ مَا فَعَلُواْ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ" سورة آل عمران، الآية 135.
والعاقل في هذه الدنيا له نحوه الذي لا يجاوزه، فيحفظ لنفسه هيبتها، ومكانتها بين العقلاء، والسفيه ليس له نحو يضبطه، فتراه يتخبط بين الخلائق لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، ليس له هم إلا ما يرضي هواه، فيضل ويُضل غيره، : "وَإِنَّ كَثِيرٗا لَّيُضِلُّونَ بِأَهۡوَآئِهِم بِغَيۡرِ عِلۡمٍ". سورة الأنعام (119)
"أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ" سورة الجاثية (23).
"وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا" سورة المائدة (77)
"وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا" سورة الكهف (28).
والأمة كالفرد لها نحوها الذي أمرها لله به في العديد من المجالات: نحو العقيدة، ونحو الشريعة، في السياسة، والاقتصاد، والمجتمع، ونحو السلوك وسمو الروح، فإذا حادت عن شيء من هذا النحو لحنت، ولكن هذا اللحن ثمنه باهض جدا، وليس هو كلحن اللسان، فلحن اللسان يجبره التصحيح والتقويم، أما هذا اللحن فإن الأمة بأجمعها تدفع ثمنه، فإذا لحنت في العقيدة وقعت في الشرك والبدع والضلالات والخزعبلات، والنتيجة عقوبات ربانية: إحباط الأعمال، وذلة بين الأمم، واستبدال "يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرۡتَدَّ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَسَوۡفَ يَأۡتِي ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ يُحِبُّهُمۡ وَيُحِبُّونَهُۥٓ..." سورة المائدة، الآية 54.
"وَرَبُّكَ ٱلۡغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحۡمَةِۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَسۡتَخۡلِفۡ مِنۢ بَعۡدِكُم مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوۡمٍ ءَاخَرِينَ". سورة الأنعام، الآية 133.
وهو أمر هين عليه سبحانه وتعالى كما أخبر على لسان هود عليه السلام: "...وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ" سورة هود، الآية 57.
وإذا لحنت الأمة في الشريعة وقعت في الحرام، ونالها غضب من الله، وتمزق في نسيجها، وفرقة بين أبنائها، وتنازع بين حكامها، وفقر مدقع يدق عظامها، وفساد كبير يخيم على أرجائها، وقسوة في القلوب، تصير الناس وحوشا يقتل بعضهم بعضا، ويستغل بعضهم بعضا...
"وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ" سورة النساء (الآية 14).
وفي سورة البقرة (الآية 209): تحذير من الزلل بعد مجيء البينات: "فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".
فكم من أمة عاقبها الله عقوبة عامة بظلمها وانحرافها:
قال سبحانه بعد ذكر الأمم المارقة:
"فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَا". العنكبوت ٤٠.
"فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِۦ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَبۡوَٰبَ كُلِّ شَيۡءٍ حَتَّىٰٓ إِذَا فَرِحُواْ بِمَآ أُوتُوٓاْ أَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ فَإِذَا هُم مُّبۡلِسُونَ". الأنعام ٤٤.
"وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ". هود ١٠٢.
فيا أيها المسلم الحصيف اعرف نحوك، الذي ترضي به ربك، ولا تجاوزه فيقل قدرك، ويصير إلى الخسران أمرك.



0 تعليقات:
إرسال تعليق
الاشتراك في تعليقات الرسالة [Atom]
<< الصفحة الرئيسية