2020/12/04

الغربة

إن من يتقي الله ويلتزم بأمره ويجتنب نواهيه سيواجه عنتا شديدا، وفتنا كثيرة وستقف بوجهه شياطين الإنس والجن سعيا في رده إلى طريق الضلال وإبعاده عن طريق الحق وسواء الصراط، بتزيين الباطل والشهوات في عينيه تارة، وبالاستهزاء والازدراء تارة أخرى، فالجنة حفت بالمكاره، وحفت النار بالشهوات، وكلما ازداد بعدا عن هذه الفتن وصمد بوجه العنت كلما شعر بالغربة في هذه الدنيا وهو يرى مجتمعا يموج بشتى أنواع المعاصي والضلال والبعد عن الله وعن دينه الحق، وخير ما يثبت به المرء نفسه في هذه الحال أن يقترب من الله أكثر فأكثر ما استطاع إلى ذلك سبيلا بكثرة الذكر والدعاء وتلاوة القرآن بتدبر وتأمل، والإقبال على العلم والعمل الصالح، وعندها فإن الله لا شك سينجز وعده بتثبيت الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وخير ما يتقوى به بعد ذلك أن يختار أخا صالحا يعينه في غربته فكل غريب للغريب نسيب كما يقال،فيذكره دائما بأن سلعة الله غالية وأن سلعة الله الجنة،ويرغبه فيها وينهاه عما حرم الله، وعما يورده مهاوي الردى، وبذلك يسهل الطريق الطويل إلى الله وتحلو مسالكه، وتطيب الدنيا وتهون صعابها، ويبقى الأمل بالجنان ماثلا أمام العين يحدوه إليه قوله سبحانه: ( مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار) سورة الرعد ٣٥.

2020/08/31

أبو فراس الحمداني: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب.

تنسب هذه الأبيات عادة لرابعة العدوية رحمها الله، وهي ليست كذلك، فقائلها هو أبو فراس الحمداني، وهي في ديوانه المطبوع، ولم ينظمها تزهدا ولا تنسكا، وإنما كان يخاطب بها ابن عمه سيف الدولة الحمداني، في قصيدة حب وعتاب، ولمن لا يعرف أبا فراس نقول هو شاعر وفارس وشريف قوم ذاع صيتهم ثم ضوى، فقد ولد أبو فراس في الموصل عام 321هـ لسعيد بن حمدان حاكمها آنذاك فسماه الحارث وكناه أبا فراس وهي من كنى الأسد، تيتم وهو ابن ثلاث سنوات، وعاش في حضن أمه التي يقال إنها رومية الأصل، وفي كنف ابن عمه وزوج أخته سيف الدولة الحمداني الذي كان حاكما لحلب، فرعاه وأحسن إليه وتعهده، فنشأ أبو فراس بين الموصل وحلب وخالط منذ صغره الأدباء والعلماء والبلغاء في مجالس ابن عمه وتتلمذ على يد ابن خالويه، فاشتد عوده، وقويت شكيمته، وفصح لسانه، وتفتقت قريحته، فكان فارس السيف والقلم، وكان أول بيت قاله قد نال به إعجاب سيف الدولة واستحسانه، فوهبه لأجله ضيعة في (منبج) على أطراف حلب وكانت تدر عليه ألفي دينار في العام، فلما نضج واستوى شابا قويا وفارسا أصيلا، ولاه سيف الدولة (منبج وحران) وهما ثغران من ثغور حلب فيما يدانيها من بلاد الروم فتولاههما، وأحسن حكمهما، وخاض مع الروم دفاعا عنهما حروبا كثيرا ومعارك طاحنة، فقتل منهم الكثير، وأسر وسبى الكثير، فكان بذلك أشد أعداء الروم وأنكاهم، فحظي بقرب سيف الدولة ومرافقته ومندامته في حربه وسلمه، في سعده وحزنه وكانت هذه الأبيات التي استفتحت بها موجهة إليه، معبرة عن حب الأمير لابن عمه، وتعلق الجندي بقائده، وإخلاص المولى لولي نعمته، ولكن هذا الوصال لم يدم طويلا، فقد كمن الروم في ألف رجل للأمير حين عاد من إحدى رحلات صيده وبرفقته سبعون رجلا أغلبهم من غير المقاتلين، على حدود منبج فقاتلهم وأثخن فيهم الجراح قبل أن يباغت برمية سهم أصابت ساقه فأسقطته، فتمكن العدو منه واقتادوه أسيرا إلى بلاد الروم (تركيا اليوم)، وعاش في الأسر أربع سنوات أليمات على قلب الشاعر المرهف، وكرامة الفارس المغوار المُهاب، ولكن ملك الروم عرف قدره فأكرمه وأحسن إليه حتى أسكنه قصر البلاط الإمبراطوري، وهو قصر رومي على البحر، وخصص له خادما يقوم بشأنه، وقد عرف عنه كثرة مناظرته لدهاقنة الروم، وفخره عليهم بما اقتطع منهم من قرى ومدن وثغور فما عرف أسير أكرم منه ولا أعز منه، ولا أهيب منه، ولا اشد جرأة منه، وكان يراسل إخوانه وأحبابه في حلب والموصل، ويعجل بطلب الفداء، ولكن سيف الدولة يريد فداء كل المسلمين عند الروم، وكم عرض عليه ملك الروم أن يفديه وحده فرفض هو أيضا، حتى جاء يوم الحرية في الأول من رجب عام 355 هـ حين افتداهم سيف الدولة هو وثلاثة ألاف أسير مسلم بستمائة ألف دينار رومي وبما معه من أسرى الروم. فعاد إلى الديار فوجدها غير الديار التي عهدها واستأنس بها، فقد دالت الأيام وساءت الأحوال، ويوليه سيف الدولة حمص قبل أن يتوفاه الله ويؤول الأمر بعده إلى ابنه (أبي المعالي_ وهو ابن أخت أبي الفراس) بوصاية حاجب سيف الدولة التركي (قرغويه) الذي خشي من استيلاء أبي فراس الحمداني على الحكم فحرض عليه أبا المعالي فوجه إليه جيشا بقيادة قرغويه ودارت بينهما معركة انتهت بمقتل أبي فراس الحمداني سنة 357 هـ.
تضمن شعره أغراضا متنوعة من الغزل، والفخر، والرثاء، والوصف، والحكم والعواطف المختلفة، وكانت له قصائد عرفت بالروميات نظمها في أسره في بلاد الروم، تجسدت فيها معاناته وحنينه إلى بلده ومربع صباه وإلى أمه العجوز، وحزنه على فقده حريته، وفخره بماضيه ومآتيه في سبيل سيف الدولة.
من قصائده المشهورة:
“أرَاكَ عَصِيَّ الدّمعِ شِيمَتُكَ الصّبرُ، أما للهوى نهيٌّ عليكَ ولا أمرُ ؟
بلى أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعة ٌ ، ولكنَّ مثلي لا يذاعُ لهُ سرُّ !
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوى وأذللتُ دمعاً منْ خلائقهُ الكبرُ
تَكادُ تُضِيءُ النّارُ بينَ جَوَانِحِي إذا هيَ أذْكَتْهَا الصّبَابَة ُ والفِكْرُ
معللتي بالوصلِ ، والموتُ دونهُ ، إذا مِتّ ظَمْآناً فَلا نَزَل القَطْرُ!
حفظتُ وضيعتِ المودة َ بيننا و أحسنَ ، منْ بعضِ الوفاءِ لكِ ، العذرُ
و ما هذهِ الأيامُ إلا صحائفٌ لأحرفها ، من كفِّ كاتبها بشرُ...
ومن أجمل ما قال:
رأيتك لا تختار إلا تباعدي..
فباعدت نفسي لإتباع هواكا
..فبعدك يؤذيني و قربي لكم أذى
فكيف احتيالي يا جعلت فداكا؟
وقوله:
أقرُّ لــهُ بالذنبِ ؛ والذنبُ ذنـــــــــبهُ وَيَزْعُمُ أنّي ظــــــالم فَــــــــــــأتُوبُ 

وَيَقْصِدُني بالهَــــجْرِ عِلْـــــــــماً بِأنّهُ إليَّ ، على ما كانَ منــهُ ، حبيبُ 

و منْ كلِّ دمعٍ في جفوني سحابة ٌ و منْ كلِّ وجدٍ في حشايَ لهيبُ
وقوله:
أزعمت أنك صابر لصدوده
هيهات صبر العاشقين قليل
ما للمحب علي الصدود جلادة
ما للمشوق إلى العزاء سبيل
فدع التعزز، إن عزمت على الهوى
إن العزيز، إذا أحب، ذليلُ
وقوله:
وَقَدْ صَارَ هَذَا النّاسُ إلاّ أقَلَّهُمْ ذئاباً على أجسادهنَّ ثيابُ
تغابيتُ عنْ قومي فظنوا غباوة بِمَفْرِقِ أغْبَانَا حَصى ً وَتُرَابُ
وَلَوْ عَرَفُوني حَقّ مَعْرِفَتي بهِم، إذاً عَلِمُوا أني شَهِدْتُ وَغَابُوا
وَمَا كُلّ فَعّالٍ يُجَازَى بِفِعْلِهِ ولا كلِّ قوالٍ لديَّ يجابُ
إلى الله أشْكُو أنّنَا بِمَنَازِلٍ تحكمُ في آسادهنَّ كلابُ
رحم الله أبا فراس.

2020/07/27

الثبات على الحق

أن تعيش الإيمان بالله والالتزام بدينه وحدك خير من أن تشارك كثيرا من الناس فسقهم وفجورهم ومعصيتهم لله فتخسر الدنيا والآخرة،  ولك في إبراهيم عليه السلام أسوة حسنة، فقد كان أمة وحده لمّا كان على التوحيد وكان الناس كلهم على الشرك، ويأتي بعض الأنبياء يوم القيامة ومعهم النفر والنفران ويأتي بعضهم وحده، فلا تستوحش طريق الحق ولو كنت وحدك ولا تغتر بكثرة الهالكين في طريق الباطل. وإن الإثم يبقى إثما حتى لو فعله كل الناس، ولو تأملت أكثر الناس في القرآن لوجدت أكثر الناس فاسقين أكثر الناس لا يحبون الحق أكثر الناس ظالمين... فكيف إذا كان في الناس خير كثير ولكنه مستقر في القاع كالجواهر التي تعيش في أعماق البحر الذي يرسب فيه لؤلؤه سفلا وتعلو فوقه جيفه، فحري حينها ألا ترضى بالبقاء وحيدا بل عليك أن تغوص في أعماق البحار لتخرج جواهره ونفائسه، هكذا هو الحق في كل زمان ينهكك بكل ما أوتي من قوة ليختبر التزامك وأصرارك عليه، فإن تمسكت به ذقت حلاوته وصرت شقيقه، لا تبالي بمن يزيغ عنه أو ينزعج منه، إنه الطريق الذي لا بديل عنه إنه السبيل إلى رضى الله والجنة.

2020/07/24

لا تكرهوا #البنات فإنهن المؤنسات الغاليات!

من نعم الله العظيمة على بني الإنسان أن وهبهم ذرية: ذكورا، وإناثا" ليستمر بها جنسهم، وتتواصل حياتهم، فوهب لمن شاء إناثا، ويهب الذكور لمن يشاء، وقد درج العرب في جاهليتهم على تفضيل جنس الذكور على الإناث، وعرف عنهم وأدهن، والاستياء منهن، فلما جاء الإسلام أعلى قيمة الإناث ورفع من شأنهن، وأمر بالإحسان إليهن، وكان هذا الأمر حاضرا في آخر خطبة خطبها النبي صلى الله عليه وسلم حين استوصى بالنساء خيرا، بل إن الإسلام جعل الإناث سببا لدخول الجنة إذا أحسن إليهن الأب أو الأخ أو الابن، قال رسول الله ‏‏ـ صلى الله عليه وسلم ـ‏: (مَنْ وُلِدَتْ له ابنةٌ فلم يئِدْها ولم يُهنْها، ولم يُؤثرْ ولَده عليها ـ يعني الذكَرَ ـ أدخلَه اللهُ بها الجنة ) رواه أحمد، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وكلما كثرت البنات كثرت الرحمة والعطاء الحسن في الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مَنْ عال جاريتين (بنتين) حتى تبلغا، جاء يوم القيامة أنا وهو وضم أصابعه ) رواه مسلم . فما أعظمها من منزلة أن تكون جارا للنبي صلى الله عليه وسلم في جنات الخلود. وليس الأمر مقصورا على البنات اللاتي من أصلابنا بل حتى الأخوات اللاتي هن أرحامنا قد استوصى بهن النبي خيرا عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: ( مَن عال ابنتينِ أو ثلاثًا، أو أختينِ أو ثلاثًا، حتَّى يَبِنَّ (ينفصلن عنه بتزويج أو موت)، أو يموتَ عنهنَّ كُنْتُ أنا وهو في الجنَّةِ كهاتينِ - وأشار بأُصبُعِه الوسطى والَّتي تليها ) رواه ابن ماجه وصححه الألباني . فلا تظلموا البنات ولا تظلموا الأخوات فمن ظلمهن أو أساء إليهن فقد عصى الله ورسوله، ﴿ وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا فِيهَا وَلَهُۥ عَذَابٞ مُّهِينٞ ﴾[ النساء:  ١٤ ] ووالله إن الظلم لمن موجبات سخط الله على بني البشر، واستنزال العذاب بهم قال الله تعالى: ﴿ وَتِلۡكَ ٱلۡقُرَىٰٓ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ لَمَّا ظَلَمُواْ وَجَعَلۡنَا لِمَهۡلِكِهِم مَّوۡعِدٗا ﴾[ الكهف:  ٥٩ ] وأي ظلم أشد من ظلم ذوي القربى، فقد قالوا قديما: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة .....على النفس  من وقع الحسام المهند . فيا من رزقك الله بالبنات لا تكرههن وتذكر قول نبينا صلى الله عليه وسلم: (لا تكرهوا البنات فإنهن المؤنسات الغاليات) صححه الألباني. وهل من قلب أحن على الأب من قلب ابنته؟ وهل من صوت في البيت أجمل من صوت البنات؟ وهل من راحة في بيت خال من البنات؟ إنهن الرحمة التي وهبها الله لنا فلنشكر الله على عطاياه! ﴿ وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكُمۡ لَئِن شَكَرۡتُمۡ لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ وَلَئِن كَفَرۡتُمۡ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٞ ﴾[ إبراهيم:  ٧ ]، ويا من رزقك الله أختا تطوف على حاجتك بالليل والنهار، وتكرم أولادك، وتتحبب إلى زوجتك، وتدعو لك بظهر الغيب، أحسن إليها، وارحم حالها ووحدتها وضعفها، فقد جعل الله قوتها بك، فلا تخذلها ولا تكسر عودها، ولا تكن عونا للشيطان عليها! واتق الله فيها فإنك مسؤول عنها يوم القيامة، فاحسب لذلك اليوم حسابه، واذكر موقفك بين يدي الله! إن الإناث باب رحمة فتحه الله للرجال فلا يغلقه إلا ظالم أو جاحد، ولا يرد عطايا الكريم إلا اللئيم. فيا رب لك الحمد أن وهبت لنا، فبارك لنا فيما وهبتنا، وأعنا على الإحسان إليهن حتى نلقاك وأنت راض عنا.

2020/07/21

كلمة في الإعراض عن أمر الله وسنة نبيه!

من مصايد الشيطان التي يقع فيها كثير من الناس أن يقول الإنسان لما أمر الله به أو جاءت به سنة نبيه: هذا خلاف ما عليه الناس، أي أن الناس لا تألف هذا ولا تعتاد العمل به، وكأن فعل الناس هو الحكم على صحة العمل أو بطلانه، وقد ذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله خبرا في ذلك عن عبد الله بن الحسن رضي الله عنهما فقال: كان عبد الله بن الحسن يكثر الجلوس إلى ربيعة، قال: فتذاكروا يوماً السنن، فقال رجل كان فى المجلس: ليس العمل على هذا، فقال عبد الله: "أرأيتَ إن كثُرَ الجهالُ، حتى يكونوا هم الحكامَ، أفهم الحجةُ على السنة؟ "، فقال ربيعة: "أشهد أن هذا كلام أبناء الأنبياء". إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ١/ ٢٠٧.
وهذا والله جواب مفحم لا أراه يجاوز هذا الزمان الذي ضُيِّعتْ فيه فرائضُ كثيرةٌ ناهيك عن السنن، ولا حجة لمضيعيها إلا فعل الجهال والفسقة والمضلين الذين ارتفعت عقيرتهم وعلا شأنهم وصارت لهم منابر وقنوات يدعون فيها إلى كل إفك وضلال، ويحلون فيها ما حرم الله، ويسلخون الناس من دينهم ومن الاهتداء بهدي نبيهم ﷺ  ولا حول ولا قوة إلا بالله.  متذرعين بقول فلان أو فلان اتباعا لأهوائهم وكرها لما أنزل ربهم بعدما ضاقت نفوسهم بالحق والفضيلة، فما عادت تنشرح بالإسلام، بل تتحرج منه وتضيق به، ويخشى على هؤلاء أن ينطبق عليهم قول الله ﷻ (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون). الأنعام ١٢٥.
اللهم اشرح صدورنا بالإسلام، واجعلنا طائعين لك، منقادين لشرعك ولسنة نبيك، وأمتنا على ذلك.

2020/07/11

كلمةٌ في الغُلوِّ والتَّطرُّفِ والتَّنطُّعِ.

من أعجب العجب في هذا الزمان أن يُتهم الإنسانُ الملتزمُ بدينه بالتطّرف والتشدُّد والغلوّ، لا لشيء إلا لأنّ من يتهمه بهذا بعيدٌ كلّ البعد عمّا فرضه الله عليه، بل إنه يخوض في وحل المعاصي، ويتّبع هوى نفسه، ورُخصَ المُضلِلِين الذين لم يُبقوا من حدود الله شيئا إلا تعدوه زورا وبهتانا، فما هو الغُلوُّ والتطرُّفُ الذي نُهينا عنه؟ 
يُجيب عن هذا السؤال الشيخ ابنُ بازٍ رحمه الله قائلا:
‏الحد الذي إذا زاد عليه في الدين يعتبر غلوا هو الزيادة عن المشروع، والغلو هو: التعمق في الشيء والتكلف فيه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الغلو فقال: «إياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» رواه أحمد وغيره بإسناد صحيح. ا.هـ
ولعل قصة الثلاثة الذين استقلوا عبادة النبي ﷺ شاهد واضح على الغلو والتطرف، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، فعن أنس - رضي الله عنه - قال : جاء ثلاثة رهط إلى أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما أُخبِروا بها كأنهم تقالوها؛ فقالوا : أين نحن من النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ ! .

فقال أحدهم : أما أنا فأصلي الليل أبدا . وقال الآخر : أنا أصوم النهار أبدا ، ولا أفطر . وقال الآخر : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا ، فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال : " أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ ! أما والله إنّي لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكنّي أصوم وأفطر ، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني " متفق عليه .
هذا هو الاعتدال: أن تتبع النبي فيما أنزل عليه ولا تبالغ فيه فتُحَرِّم ما أباحه الله حتى ولو كان على نفسك، هذا هو دين الله كما أُنزل على محمد ﷺ وهو أعرف الناس بالله، وليس الاعتدال ترك الدين بفرائضه وسننه وحدوده، بحجة نبذ التطرف أو توخي الاعتدال، بل هو التمسك بما جاء في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ولو لم يُرضِ ذلك أهلَ الفسوق والعصيان، فهذا هو الاختبار الحقيقي للمؤمن، أن يتمسك بدينه ولو تركه كل الناس، ويقبض على الجمر إرضاء لله، ولا تغرُّه الدنيا ولا دعاة جهنم. وإنّ الذين يدَّعون الاعتدال بالتحايل على حدود الله وتأويلها بعيدا عن مُراد الله ورسوله فأولئك هم المُتطرِّفون المتنطِّعون في الباطل، والمبالغون في اتباع أهوائهم وشهواتهم، ﴿ أَفَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمٖ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِۦ وَقَلۡبِهِۦ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِۦ غِشَٰوَةٗ فَمَن يَهۡدِيهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾[ الجاثية:  ٢٣ ].
اللهم اهدنا للحق وثبتنا عليه ولا تمتنا إلا على الإسلام.

2020/04/06

كم أعشق سورة الكهف!

لأن فيها كمًا كبيرًا من الدروس والعبر التي تمس حياتنا كل يوم.
ومن أعظم الدروس التي تشدني دائما تلك التي ختمت بها السورة في مزاوجة جميلة بين صورة الإيمان والكفر، بين الصالحين والطالحين. أولئك الذين غرتهم الحياة الدنيا وخدعوا ببهجتها وزخرفها وظنوا أن ما آتاهم الله من زينتها إنما هو عن رضى واستحقاق لأنهم يحسنون الصنع في ظنهم ويحسبون أنهم على الحق المبين وهم على الباطل ولكنهم لا يشعرون فهؤلاء أضل الناس في الدنيا (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا). وهذه الكلمات كثيرا ما نسمعها من الغاوين الذي غرهم ستر الله عليهم وفضله ورحمته فنجدهم يهزؤون بالذين آمنوا مازحين بقولهم: إنهم سيدخلون الجنة قبل المؤمنين، فيجيبهم المولى سبحانه ( أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (105) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (106)). هؤلاء المستهزئون إنما يهزؤون بالله وآياته ورسله والعياذ بالله فلا وزن لهم يوم القيامة وحبطت أعمالهم جميعها وجزاؤهم النار بما كانوا يصنعون.
والصورة الأخرى في هذه المزاوجة العظيمة هي صورة المؤمنين العاملين الصابرين المحتسبين فهؤلاء نزلهم الجنة وليس أي جنة بل جنة الفردوس خالدين فيها أبدا متنعمين أمنين لا يبغون لها بديلا ولا عوضا (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (107) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (108) .
ثم يختم سبحانة بأعظم خاتمة بقانون النجاة في هذه الدنيا وقانون الخلود في الآخرة، قانون قائم على ركيزتين عظيمتين: العمل الصالح، وتوحيد الله وعدم الشرك به، (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110) 
اللهم إنّا نسألك عملا صالحا يرضيك عنا فتقبله منا وتوحيدا خالصا لا تشوبه شائبة لغيرك.

الرحلة الحتمية صوب النهاية الابدية

  بين البدايات والنهايات سيل من الأمنيات، وأمواج من المتاهات، يرقى بها ذاك الكائن الضعيف حينا، ويهوي بها أحايين أخرى مخدوعا بلذة عابرة في قم...