2026/08/06

الرحلة الحتمية صوب النهاية الابدية

 بين البدايات والنهايات سيل من الأمنيات، وأمواج من المتاهات، يرقى بها ذاك الكائن الضعيف حينا، ويهوي بها أحايين أخرى مخدوعا بلذة عابرة في قمة الموجة متناسيا أن بعد تلك القمة السامقة قاعا سحيقا، أو تائها في منحنيات الدهاليز المظلمة التي ساقته إليها أقدامه الغاشمة. وبين كل خطوة وأخرى تاخذه عزة آثمة بأن المخرج أقرب من شرك نعاله، فيستمر في غيه متوغلا نحو المجهول المتباعد، مزهوا بقوة الشباب، مخدوعا بلمعة العقل الغرور، منغمسا في تيه الظلمات، منساقا وراء أحلام اليقظة، آملا فيما عنده أن يوصله إلى بصيص النور الذي يتراءى له من بعيد، وهو بين هذا وذاك لا يعدم ناصحا أو يدا تمد إليه كل حين، وصوتا حانيا يهتف به: رويدا يا صاحبي! رويدا يا أخي! إنما تجري وراء سراب خادع، وتودي بنفسك في مهاوي الردى! 

ولكنه لا يرعوي عن غيه المطبق، ولا يتوقف بعد كل المزالق التي كادت تهوي به، ثم تأتي اللحظة الحاسمة التي تؤذن بالأفول فينقلب الصعود الى القمة انحدارا نحو الهاوية، وتنتكس الموجة العاتية، فتتحول بلمح البصر الى القاع المهلك، حيث تصبح أطواق النجاة بلا جدوى وحينها لا تنفع الصيحات، ولا تغني الاستغاثات وسرعان ما ينجلي للناظر القريب والبعيد فداحة الخطب ومرارة الندم، وتبرز أمام عينيه في لحظة قصيرة جدا كل الأمنيات التي لم تتحقق بعد، وكل الأخطاء التي لم تتدارك وليس ثَمَّ غيرُ الندم ولات حين مندمِ.


 هذه هي القصة باختصار قصة ذلك الانسان من بدايته إلى نهايته ذلك الجبار الذي تعالى فوق رؤوس العباد وتجبر على خلق الله بغير وجه حق، فملأ الأرض ظلما وجورا!

ذلك الفاسد الذي ظن أن ماله أخلده، وأنه لا غالب له متذرعا بقوة المال والجاه والسلطة، وغره الأمل حتى جاءه أمر الله فانزوى في زوايا التاريخ المظلمة.

تلك الدول التي تدعي العظمة والرقي والتطور حالها كحال ابن ادم كلاهما ينطبق عليه نفس القانون الإلهي ويخضع لنفس الناموس، فالأمم والدول كالإنسان تبدأ ضعيفة ثم تشتد وتقوى إذا أخذت بالأسباب،

 فتغتر بقوتها وتطغى وتتجبر لانحرافها عن جادة الحق، ثم تهرم أو تتداعى بشدة؛ لمخالفتها سنن الله وقوانينه التي تضبط حياة خلقه وعباده.

 فيا أيها الانسان! 

قف مع نفسك كائنا من تكون، وانظر إلى موضع أقدامك، وأبصر أين تسير؟ 

وماذا تفعل في هذا العالم الفاني؟

 لو ملكت ثروات الأرض أجمعها، فلن تخلد فيها ولن تتربع على عرش الغنى كما تربع قارون!

 ثم تأمل ما هي النهاية؟

 ويا أيها الملك الجبار والحاكم الظالم!

 تدبر في حالك مع رعيتك فمهما بلغت من قوة! ومهما ملكت من سلطان! فلن تتجاوز سنة الله فيمن سبقك: فرعون، وهامان، ومن أشبههما فلا تطغَ! ولا تتجبر على خلق الله! وأنت تعيش في ملكه وتنعم برزقه وعافيته ولولاه لما سرت على قدم ولا رمقت ببصر وحسبك ما تراه من عبر فيمن سبقك فلو دامت لغيرك ما وصلت إليك!

إن حقيقة ما يجري في هذا العالم من ظلم وجور وتسلط وطغيان عائد إلى أمر واحد لا ثاني له في تاريخ البشرية، هو الانحراف عن سبيل الله وقانونه في الحياة الإنسانية.

سبيل الله بكل أجزائه: عقيدة وشريعة ومناهج حياة.

وليس هذا لانحراف خاصا بشخص دون آخر، ولا دولة دون أخرى، ولا أمة دون غيرها.

فالأمم التي سبقت الأمة المحمدية كلها جاءها الحق من الله على لسان أنبيائها، فانقاد له من شاء الله، وساد به الناس مؤيدا بنصر الله وتوفيقه مدة خضوع تلك الأمم نفسها لأمر الله واسترشادها بالوحي الذي بعثه، والكتب التي أنزلها.

ولكن دوام الحال من المحال، فما لبثت هذه الأمم أن انحرفت شيئا فشيئا عن سبيل ربها، فسارت في نفس المسار الذي قدمناه، وكانت النتيجة واحدة في حق الجميع.

وجرت العادة أن يُبعَثَ أنبياء ورسل آخرون ليعيدوا الناس إلى جادة الحق، فتستبدل الأمم والأشخاص بمن هم خير منهم، إلى أن ختم الله الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمته التي هي خير الأمم وأكرمها على الله.

ولكن هل أمتنا مستثناة من هذا القانون الإلهي في الاستبدال؟

ليست هذه الأمة مستثناة استثناء مطلقا، فما أصاب الأمم الأخرى يصيبها كلما انحرفت عن سبيل لله ومنهجه في الاستخلاف في الأرض ولكنها لا تستبدل بها أمة أخرى لأنها خاتمة الأمم وخيرها وأكرمها على الله، وهي الأمة القائمة على قاعدة صحيحة سليمة هي المرجع الدائم لهذه الأمة وللبشرية جمعاء، فمتى ما انحرفت هذه الأمة عوقبت وتسلط عليها عدوها ووقعت فيها المصائب والكوارث والملمات الشداد، لكنها لا تمحى ولا تُزال من وجه الأرض، ولا يخلو زمن من جماعة مؤمنة تقوم بما أمرها به الله من واجبات الاستخلاف في الأرض.

فحين تخلفت الأمة في كثير من بقاعها، وانحرفت عن عقيدة التوحيد التي كانت تهيمن على أرجائها،  إلى الشرك والابتداع في الدين بما لم يشرع الله في العبادات والعادات، برزت جماعة عظيمة تتمسك بعقيدة الوحي، وترفع شعار التوحيد والسنة وتتمسك بمنهج السلف في فهم هذا الدين وتطبيقه كما شرع الله، فلم تخل الأرض من عقيدة الإسلام يوما واحدا على الرغم من كل الموجات العاتية التي سعت إلى تدمير هذه العقيدة وتشويهها وتحريفها!

وحين تخلفت الأمة عن ركب القوة والجهاد في سبيل الله في كثير من بقاعها واكتفت بجيوش مهلهلة لا يتجاوز دورها حماية الكرسي الذي يجلس عليها حاكمها، والحفاظ على حدود أعدائها برزت ثلة من المؤمنين اجتمعوا على التوحيد والعقيدة التي جاء بها الوحي من الله، فنازلت أعداء الله في أرجاء متعددة من الأرض وأذاقتهم الويل والثبور، ولا تزال منهم ثلة مرابطة في أرض الإسراء والمعراج.

وحين تخلفت الأمة عن إقامة دولة مسلمة قائمة على شريعة الله، تحكم بكتاب الله وسنة نبيه، وتقييم شعائره، وتطبق أحكامه في السياسة والاقتصاد والشرائع والقوانين، برزت دولة قارعت أعداء الله المحتلين في أرضها عقودا طويلة حتى أخرجتهم صاغرين، فأقامت دولة مسلمة ترفع راية الإسلام بفخر واعتزاز، وتطبق أحكام الشريعة دون اكتراث بانتقادات الأمم المتحدة والدول التي تدعي المساواة بين البشر جميعا إلا المسلمين طبعا..

وما هذا كله إلا لأن هذا الدين هو الحق المبين الذي يجب أن يصل أصقاع الأرض، وإليه وحده يجب أن تخضع البشرية بأكملها بعد أن ثبت إفلاس الغرب من كل القيم الإنسانية التي تؤهل لقيادة البشرية، وثبت فشله في قيادة البشرية، فكان لابد من مخلص ينقذ هذه البشرية من هوتها السحيقة التي توشك أن تسقط فيها بعد أن اقتربت كثيرا من حافتها، فكانت سنة الله أن يبقى هذا الدين ظاهرا رافعا راية العدل والتوحيد.

   والإسلام هو المخلص الوحيد وهو المنهج الوحيد الكفء لإعادة إنشاء الحياة البشرية على قاعدة جديدة؛ لأنه   منهج أصيل ومستقل الجذور يجمع بين التصور الاعتقادي والواقع العملي.


وهو وحده القادر على تصحيح خطأ "الفصام النكد" بعد أن ضلت البشرية طريقها يوم أن وقع "الفصام النكد" بين الدين والحياة في أوروبا، وأن العلاج لا يكون بالترقيع الجزئي بل بالعودة إلى منهج الله الذي يضع التصميم الأساسي للحياة بناءً على علم الخالق بالإنسان، لا على علم البشر القاصر.

وذلك؛ لأن علاقة الإسلام بالعلم والحضارة علاقة متينة فالإسلام ليس عدواً للعلم أو الحضارة، بل هو إطار ومحور لهما. فالإسلام لا يحطم المصانع، بل يغير النظرة إليها بحيث يصبح الروح الإنساني المؤمن هو المسيطر على الآلة، لا عبداً لها.

والإسلام وحده من يحرر الإنسان تحريرا منضبطا بقانون السماء ويعطيه حق الاختيار،  فالمنهج الإسلامي يهدف إلى استنقاذ الروح البشرية من المهانة، وإعادة قيمة الإنسان فوق قيمة "الأشياء"، مما يمنحه القدرة على الاختيار والتمييز بين ما ينفع كينونته وما يضرها في هذه الحضارة.

كما أن هذا الدين قائم على التوافق مع الفطرة؛ لأن الفطرة الإنسانية متناسقة مع فطرة الكون، وأن منهج الإسلام هو الذي يكفل هذا التناسق، فهو المخلص الذي يطلبه الغرب في صرخاته ولكنه يأبى الاعتراف به حتى الآن. ولابد للمسلمين من صحوة كبرى يستفيقون بها من غفلتهم فتنهض بهم من جديد.

الرحلة الحتمية صوب النهاية الابدية

  بين البدايات والنهايات سيل من الأمنيات، وأمواج من المتاهات، يرقى بها ذاك الكائن الضعيف حينا، ويهوي بها أحايين أخرى مخدوعا بلذة عابرة في قم...